سهيلة عبد الباعث الترجمان
506
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
بإدراكها ولكنه يقبلها " « 1 » . إذ أن علم الأسرار هو فوق طور العقل ، وهو علم نفث روح القدس في الروع ، لذلك فالحقيقة لا تدرك بالعقل ولا يصل إلا صاحب كشف . لذلك نرى أنه من التجنّي أن نقرر مع القائلين عن وحدة الوجود لدى ابن عربي بأنها نظرية فلسفية تقررت باستدلال نظري وإعمال فكري ، بل الحقيقة عكس ذلك ، إذ أن النظر العقلي من شأنه أن يعطي صورة الكثرة للموجودات ، وأن العقل يجد ثنائية من الوجود بين الحق والخلق ، لا أن يقيم وحدة متكاملة بين هذه الموجودات ، أو بين الحق والخلق ، وما قوله " لا موجود إلّا اللّه " إلّا دلالة واضحة عن موقفه من النظر الفكري الذي لا يمكنه إدراك هذا الوجه على الصورة التي يراها هو بطريق الذوق فتكون والحالة هذه أمام طورين : طور عقلي وطور باطني ذوقي ، فالطور العقلي مرتبط شكليا بالمنطق ، فنقول : هل وقف ابن عربي عند هذا الحدّ ورسم حدود فلسفة مستندا إلى صور المنطق وأشكاله المختلفة ؟ وهل تمكن بعقله أن يدرك الحقيقة الوجودية التي يسعى إلى تحقيقها في مذهبه ؟ الواقع أن ابن عربي لم يتقيد بهذه الناحية من العلم ، بل تجاوزها كما ذكرنا ولم يقف عند حدود العقل القاصر عن إدراك هذه الحقيقة ، وذلك لحدوث الكشف نتيجة مجاهداته الروحية ، هذا الكشف الذي جعله يتذوق حقائق تفوق نطاق العقل ، حدد فيها معالم تصوفه ، ورسم الخطوط الكبرى لقضيته ، فوصل إلى حقائق يعجز العقل عن إدراكها " لا موجود إلّا اللّه " « * » فهو الوجود الحق ، والوجود المطلق ، بل هو الوجود كله ولا موجود سواه وقد صرح بقوله : " وقد ثبت عند المحققين أنه ما في الوجود إلا اللّه ونحن وإن كنا موجودين ، فإنما كان وجودنا به " « 2 » .
--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 94 . ( * ) يرى النابلسي أن شهود خاصة الخاصة من المؤمنين وهو شهود الذات الإلهية " لا موجود إلا اللّه " وهو الوجود الحق القديم ، وكل ما سواه فإنه هالك عديم كما قال تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه ، له الحكم وإليه ترجعون ، والحس والعقل يدركان إله موجود يعرفان حقيقة أمره ، ( كتاب الوجود ، ص 387 ) . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 363 .